ابن خلكان

323

وفيات الأعيان وأنباء أبناء الزمان

وبين يديه المقاتلة والسلاح ، وأقبل طارق وأصحابه عليهم الزرد ، ومن فوق رؤوسهم العمائم البيض وبأيديهم القسي العربية ، وقد تقلدوا السيوف واعتقلوا الرماح ، فلما نظر إليهم لذريق قال : أما واللّه إن هذه الصور التي رأينا ببيت الحكمة ببلدنا ، فداخله منهم رعب . ونتكلم هاهنا على بيت الحكمة ما هو ، ثم نتكلم على حديث « 1 » هذه الواقعة : وأصل خبر بيت الحكمة أن اليونان - وهم الطائفة المشهورة بالحكمة - كانوا يسكنون ببلاد المشرق قبل عهد الإسكندر ، فلما ظهرت الفرس واستولت على البلاد ، وزاحمت اليونان على ما كان بأيديهم من الممالك ، انتقل اليونان إلى جزيرة الأندلس ، لكونها طرفا في آخر العمارة ، ولم يكن لها ذكر يوم ذاك ، ولا ملكها أحد من الملوك المعتبرة ، ولا كانت عامرة ، وكان أول من عمر فيها واختطها أندلس بن يافث بن نوح عليه السلام ، فسميت باسمه ، ولما عمرت الأرض بعد الطوفان كان صورة المعمور منها عندهم على شكل طائر رأسه المشرق والجنوب والشمال جناحاه ، وما بينهما بطنه ، والمغرب ذنبه ، فكانوا يزدرون المغرب لنسبته إلى أخس أجزاء الطائر . قلت « 2 » : وجرى في مجلس الحافظ أبي طاهر السلفي نادرة تصلح أن نذكرها هاهنا وهي أن أبا إسحاق إبراهيم بن عبد اللّه المعروف بابن الجمش البلبيسي كان في مجلسه ، وعبد العزيز الشريشي يقرأ حديث عمرو بن العاص : خلقت الدنيا على صورة طير . . . الحديث المذكور ؛ فقال الشريشي لأبي إسحاق يمازحه : اسمع يا أبا إسحاق ، وشرّ ما في الطير ذنبه ، فقال أبو إسحاق : هيهات ما عرفت أنت ما كان ذلك الطائر المشبه ؟ كان طاووسا ، وما فيه أحسن من ذنبه . وكانت اليونان لا ترى فناء الأمم بالحروب لما ترى فيه من الإضرار والاشتغال

--> ( 1 ) ر بر من : ثم نكمل حديث . ( 2 ) هذه القصة لم ترد في النسخ : لي بر من والمطبوعة المصرية ودي سلان .